الشيخ محمد رشيد رضا

335

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من اللّه تعالى ليس شرا في الحقيقة بل هو تربية واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا وآدبا وعلما وخبرة ، وقد بدأ بذكر الضر لان كشفه مقدم على نيل مقابله ، كما أن صرف العذاب في الآخرة مقدم على النعيم فيها ، وهذه الآية مقابلة لما قبلها كما تقدم . ثم ذكر الخير في مقابل الضر دون النفع فأفاد ان ما ينفع الناس من النعم انما يحسن إذا كان ذلك النفع خيرا لهم بعدم ترتب شيء من الشر عليه فكأنه قال : ان أصابك أيها الانسان ضرّ كمرض وتعب وحاجة وحزن وذل اقتضته سنة اللّه تعالى فلا كاشف له أي لا مزيل له ولا صارف يصرفه عنك الا هو دون الأولياء الذين يتخذون من دونه ويتوجه إليهم المشرك لكشفه ، فهو اما ان يكشفه عنك بتوفيقك للأسباب الكسبية التي تزيله ، وإما أن يكشفه بغير عمل منك ولا كسب ، ولطفه الخفي لاحدّ له فله الحمد ، وان يمسسك بخير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو قادر على حفظه عليك كما أنه قادر على إعطائك إياه لأنه على كل شيء قدير ، وأما أولئك الأولياء الذين اتخذوا من دونه فلا يقدرون على مسّك بخير ولا ضر . فالآية كما قال الرازي دليل آخر على أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ غير اللّه وليا . وقد تبين بها وبما قبلها أن كل ما يحتاج اليه المرء في الدنيا والآخرة من كشف ضر وصرف عذاب أو ايجاد خير ومنح ثواب فإنما يطلب من اللّه تعالى وحده ، والطلب من اللّه تعالى نوعان : طلب بالعمل ومراعاة الأسباب ، التي تقتضيها سننه تعالى في خلقه ، وطلب بالتوجه والدعاء اللذين نديت اليهما آياته تعالى في كتابه وأحكامه الشرعية . هذا ما فتح اللّه به ، وبعد كتابته راجعنا كتاب روح المعاني فوجدنا فيه نقلا في نكتة البلاغة في المقابلة بين الضر والخير أحببنا نقلها إتماما للفائدة قال : « وفسروا الضر ( بالضم ) بسوء الحال في الجسم ( وبالفتح ) بضد النفع « 1 » وعدل عن الشر المقابل للخير إلى الضر على ما في البحر لان الشر أعم ، فأتى بلفظ الأخص مع الخير الذي هو عام رعاية لجهة الرحمة . وقال ابن عطية ان مقابلة الخير بالضر مع أن مقابله الشر وهو أخص منه من خفيّ الفصاحة للعدول عن قانون الصنعة وطرح رداء التكلف وهو أن يقرن بأخص من ضده ونحوه لكونه أوفق بالمعنى وألصق

--> ( 1 ) هذا تحكم لا يصح نقلا والتحقيق ما تقدم